القرطبي

227

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

أراد إنه من يدخل ، أي أن الامر هذا ، وهو أن المجرم يدخل النار ، والمؤمن يدخل الجنة . والمجرم الكافر . وقيل : الذي يقترف المعاصي ويكتسبها . والأول أشبه لقوله تعالى : ( فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا ) وهذه صفة الكافر المكذب الجاحد - على ما تقدم بيانه في سورة ( النساء ) ( 1 ) وغيرها - فلا ينتفع بحياته ولا يستريح بموته . قال الشاعر : ألا من لنفس لا تموت فينقضي * شقاها ولا تحيا حياة لها طعم وقيل : نفس الكافر معلقة في حنجرته أخبر الله تعالى عنه فلا يموت بفراقها ، ولا يحيا باستقرارها . ومعنى . ( من يأت ربه مجرما ) من يأت موعد ربه . ومعنى ( ومن يأته مؤمنا ) أي يمت عليه ويوافيه مصدقا به . ( قد عمل ) أي وقد عمل " الصالحات " أي الطاعات وما أمر به ونهى عنه . ( فأولئك لهم الدرجات العلا ) أي الرفيعة التي قصرت دونها الصفات . ودل قوله : " ومن يأته مؤمنا " على أن المراد بالمجرم المشرك . قوله تعالى : ( جنات عدن ) بيان للدرجات وبدل منها ، والعدن الإقامة . وقد تقدم ( 2 ) بيانه . ( تجري من تحتها ) أي من تحت غرفها وسررها ( الأنهار ) من الخمر والعسل واللبن والماء . وقد تقدم . ( خالدين فيها ) أي ماكثين دائمين . ( وذلك جزاء من تزكى ) أي من تطهر من الكفر والمعاصي . ومن قال هذا من قول السحرة قال : لعل السحرة سمعوه من موسى أو من بني إسرائيل إذ كان فيهم بمصر أقوام ، وكان فيهم أيضا المؤمن من آل فرعون . قلت : ويحتمل أن يكون ذلك إلهاما من الله لهم أنطقهم بذلك لما آمنوا ، والله أعلم . قوله تعالى : ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى ( 77 ) فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم ( 78 ) وأضل فرعون قومه وما هدى ( 79 ) قوله تعالى : ( ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي ) تقدم الكلام في هذا مستوفى . ( فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا ) أي يابسا لا طين فيه ولا ماء . وقد مضى في ( البقرة ) ( 3 )

--> ( 1 ) راجع ج 5 ص 253 . ( 2 ) راجع ج 10 ص 396 . ( 3 ) راجع ج 1 ص 389 فما بعد .